فخر الدين الرازي
194
الأربعين في أصول الدين
أربعة أنواع الملائكة والانس والجن والشياطين . ولا شك أن الانسي أفضل من الجن والشياطين . فلو كان أفضل أيضا من الملائكة ، لزم أن يكون أفضل من جميع المخلوقات . فكان ينبغي أن يقول : وفضلناهم على كل من خلقنا . وعلى هذا التقدير يصير لفظ « كثير » ضائعا . وذلك غير جائز فعلمنا : أنه ليس أفضل من الملك . فان قيل : هذا تمسك بدليل الخطاب وهو أن تخصيص الكثير بالذكر ، يدل على أن حال الباقي بخلافه . وأيضا : فهب أن جنس الملائكة أفضل من جنس البشر ، لكن لا يلزم أن يكون كل فرد من أفراد هذا الجنس أشرف من كل فرد من أفراد ذلك الجنس . وأيضا : يجوز أن يكون المراد : وفضلناهم في الكرامة المذكورة في أول هذه الآية - وهي الكرامة في حسن الصورة ومزيد الذكاء والقدرة على الأعمال العجيبة - وإذا ثبت هذا فنقول : نحن نسلم أن البشر ليسوا أفضل من الملائكة في هذه الأمور . لكن لم قلتم : إنهم ليسوا أفضل منهم في كثرة الثواب ؟ قلنا : أما السؤال الأول فجوابه من وجهين : أحدهما : هب أنه تمسك بدليل الخطاب . الا أنه حجة ، بدليل : أن من قال : اليهودي إذا مات لا يبصر شيئا ، فإنه يضحك من هذا الكلام . لعلة : أنه لما كان المسلم كذلك ، لم يبق لذكر اليهودي فائدة . وهذا يدل على أن تخصيص الشيء بالذكر ، يوجب نفى الحكم عما عداه والثاني : ان هذا ليس تمسكا بدليل الخطاب ، بل هو تمسك بأنه لو كان البشر مفضلا على الكل ، لكان لفظ الكثير ضائعا . ومعلوم أنه غير جائز . وأما السؤال الثاني فجوابه : انا انما نتمسك بهذه الآية في بيان أن جنس الملك أفضل من جنس البشر ، لا في بيان أحوال الأفراد . وإذا ثبت هذا التفاوت في الجنس ، كان الظاهر فضل الفرد على الفرد الا عند اثبات التعارض .